اسماعيل بن محمد القونوي
509
حاشية القونوى على تفسير الإمام البيضاوى ومعه حاشية ابن التمجيد
الدنيا من المعارف والطاعات متفاوتة في اللذة بحسب تفاوتهما ) أي تفسيرا آخر وهو أن المراد مما رزقوا قبل هو المعارف والطاعات التي يستلذ به أرباب العقول السليمة المتفاوتة في اللذة لأن منهم مقتصد ومنهم سابق بالخيرات ومنهم السابقون المقربون ومنهم أصحاب اليمين قوله بحسب تفاوتهما أي المعارف والعبادات زيادة ونقصا كيفا أو كما إخلاصا إشارة إلى ذلك فمستلذات أهل الجنة التي رزقوا بها فيها متفاوتة أيضا ففي كلامه إشارة إليه وإن كان المقصود غيره فلا يلزم من ذلك تخصيص ذلك بالثمرات فإن سائر الإنعامات والكرامات أيضا من قبيل ثواب الطاعات والمص طاب اللّه ثراه أشار إلى ذلك بقوله إن مستلذات أهل الجنة الخ . فإنها عام للثمرات وسائر الكرامات ولقد غفل عن هذه الإشارة العلية من اعترض عليه بأنه لا يساعده تخصيص ذلك بالثمرات . قوله : ( فيحتمل أن يكون المراد من هذَا الَّذِي رُزِقْنا [ البقرة : 25 ] أنه ثوابه ) بتقدير مضاف والمعنى هذا المرزوق في الآخرة ثواب المرزوق في الدنيا ومن غفل عن تقدير مضاف أي ثوابه في فوق الَّذِي رُزِقْنا قال يأبى عنه قولهم مِنْ قَبْلُ لأن ذلك إنما هو في الجنة لا في الدنيا مع أن المص صرح المراد من هذَا الَّذِي رُزِقْنا أنه ثوابه فالمشار إليه بهذا المرزوق في الجنة والمراد بالموصول هو المرزوق المعنوي في الدنيا فلما لم يصح الحمل بأن المرزوق في الدنيا أعني المعارف هو المرزوق في الآخرة وهو المستلذات أشار إلى دفعه بأن فيه مضافا محذوفا ولو قيل إن بعض العلماء ذهب إلى أن الأعمال والمعارف تجسمت وتكون عين ما رزقوا في النشأة الأخرى وإليه أشار من قال إن أرض الجنة قيعان ينبت فيها ما ينبت من الأعمال انتهى . فح يصح الحمد المذكور بلا تقدير مضاف لكان أتم بيانا وأحسن سبكا وقد صرح البعض بما ذكرنا في قوله : إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوالَ الْيَتامى ظُلْماً إِنَّما يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ ناراً [ النساء : 10 ] الآية . قوله : ( ومن تشابههما تماثلهما في الشرف والمزية وعلو الطبقة ) عطف على قوله من هذا أي فيكون المراد من تشابههما المشار إليه بقوله وَأُتُوا بِهِ مُتَشابِهاً [ البقرة : 25 ] ما هو المعنى الحقيقي كما صرح به في السؤال وهو تماثلهما في صفة الشرف وعلو الطبقة فوجه الشبه بينهما معنوي لا حسي وإنما ذهب إلى ذلك لأن الأعمال والمعارف في الدنيا اعراض لا صورة لها ووجه الشبه ما يشترك المشبه والمشبه به فيه والمراد بالطبقة في قوله علو الطبقة الرتبة والمنزلة مستعارة من طبقات البيت وأصل الطبق كون الشيء على مقدار شيء آخر ومنه المطابقة وعلم من تقرير المص أمران الأول أنه على هذا التفسير معنى قوله : فيحتمل أن يكون المراد من هذَا الَّذِي رُزِقْنا أنه ثوابه أقول يأبى هذا المعنى قولهم مِنْ قَبْلُ لأن ذلك إنما هو في الجنة لا في الدنيا اللهم إلا أن يتكلف ويقال الرزق المدلول عليه بقولهم رُزِقْنا مجاز في معنى الاستحقاق ويكون المعنى هذا الذي استحققناه من قبل لكن ذلك خلاف الظاهر . قوله : ( ومن تشابههما تماثلهما في الشرف وإلا فلا تناسب بينهما في الصورة إذ المعارف والأعمال أعراض لا صور لها في الحس كصور الجواهر المحسوسة .